الشنقيطي
415
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ [ النحل : 72 ] وقال تعالى : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 32 ] إلى غير ذلك من الآيات . وفي الحديث « إذا سألت فاسأل اللّه » « 1 » . وقد أثنى اللّه جل وعلا على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ [ الأنفال : 9 ] الآية . فنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى اللّه وأخلصوا له الدعاء . فعلينا أن نتبع ولا نبتدع . تنبيه اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة ، وهي تشمل جميع ما أمر اللّه أن يتقرب إليه به من جميع القربات فيخلص تقربه بذلك إلى اللّه ولا يصرف شيئا منه لغير اللّه كائنا ما كان . والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمسلم عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي ، لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة للّه ، كما كان صلّى اللّه عليه وسلّم هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها للّه وحده . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) [ 6 ] . نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وقد أرسله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم فلما سمعوا به تلقوه فرحا به ، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله ، فرجع إلى نبي صلّى اللّه عليه وسلّم وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله ، فقدم وفد منهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبروه بكذب الوليد فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . وهي تدل على عدم تصديق الفاسق في خبره . وصرح تعالى في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق ، وذلك في قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) [ النور : 4 ] ولا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق وعدم قبول خبره . وقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين : الأول منهما : أن الفاسق إن جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته ، وهل ما قاله فيه الفاسق
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس الترمذي في صفة القيامة حديث 2516 . ( 2 ) أخرجه عن الحارث بن ضرار الخزاعي أحمد في المسند 4 / 279 .